Sunday, April 29, 2012

تعدد الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية المعاصرة: المشروعية، الحقوق، الواجبات


تعدد الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية المعاصرة: المشروعية، الحقوق، الواجبات



إعداد: زين العابدين الهدوي
الباحث للدكتوراه جامعة مهاتماغاندي
كيرالا- الهند


 
التمهيد
تفرع عن الاعتراف الشرعي بالنظام الحزبي في مجال السياسة- والذي وقع في أوائل القرن العشرين الميلادي- قضية أخرى أثارت جدلاً واسعاً، وهي قضية : " التعددية الحزبية السياسية في الدول الإسلامية"، حيث إن النظام الديمقراطي يسمح بإنشاء الأحزاب وفق ضوابط قانونية عامة مجردة تفتح الآفاق لكل حزب أن يضع برنامجه الطموح في خدمة الوحدة الوطنية والمشاركة المجتمعية والأمن القومي والنظام الديمقراطي ، وأن يمتنع عن تأسيس برنامجه على أساس ديني أو طبقي أو طائفي أو فئوي أو جغرافي أو استغلال المشاعر الدينية أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العقيدة. وهذا الإطلاق الديمقراطي قد يفرز عن ميلاد بعض الأحزاب السياسية المعادية لبعضها مما يشغلها عن البناء المجتمعي إلى التنازع والفشل، أو ميلاد بعض الأحزاب المعادية للشريعة الإسلامية في بعض أحكامها الاجتماعية والاقتصادية؛ إذا تستطيع تلك الأحزاب بممثليها البرلمانيين من سن القوانين المبيحة للربا وغيره من المحرمات.
وكانت التعددية الحزبية قد ظهرت لأول مرة في الدول الأوربية التي استسلمت لمطالب الديمقراطية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وإن كان كثير من القادة الأوربيين لم يكونوا راضين عن نشوئها، لكن المصالح الاقتصادية والميول السياسية والاجتماعية هي التي جمعت بعض أناس إلى بعض فكونوا الأحزاب، وتمادوا في حقوق الديمقراطية حتى استقرت.
مفهوم الحزبية:
الحزب في اللغة:
الحِزْبُ: جماعة الناس؛ وحِزْبُ الرجل: أصحابه وجنده الذين مع رأيه؛ والجمع: أحزاب؛ والأحزاب: جنود الكفار، تألبوا وتظاهرا على حزب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: " اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْهُمْ ".
والحِزْبُ: الصنف من الناس، قال ابن الأعرابي: الحزب الجماعة، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم، فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضاً.
والحِزْبُ أيضا: الطائفة من الناس، وتَحَزَّبُوا: تجمعوا وصاروا أحزاباً، وفي حديث ابن الزبير رضي الله عنهما: " يُرِيدُ أَنْ يُحَزِّبَهُمْ "، أي يقويهم ويشد منهم، ويجعلهم في حزبه، أو يجعلهم أحزاباً.
الحزب السياسي في الاصطلاح:
تعددت تعريفات الحزب السياسي بين المفكرين، و من أهمها ما يلي:
1. ما عرفه فرنسوا غوغيل وهو: “مجموعة منظمة للمشاركة في الحياة السياسية، بهدف السيطرة كلياً أو جزئياً على السلطة، دفاعاً عن أفكار ومصالح محازبيها ".
2. ويرى أندريه هوريد أنه: “تنظيم دائم يتحرك على مستوى وطني، ومحلي، من أجل الحصول على الدعم الشعبي، ويبغي الوصول إلى ممارسة السلطة، بغية تحقيق سياسة معينة ".
3. وعرفه سليمان الطماوي: “بأنه مجموعة متحدة من الأفراد، تعمل بمختلف الوسائل الديمقراطية للفوز بالحكم، بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين".






مفهوم الحزب السياسي وأهم مكوناته

أ- الاتجاه الأول :

يمثله الفكر الماركسي الذي يرى أن الحزب السياسي ما هو إلا تعبير سياسي لطبقة ما وبالتالي لا وجود لحزب سياسي دون أساس طبقي حسب المفهوم الماركسي وهذا استبعاد واضح من فضاء الحزبية للأحزاب الأخرى التي لا تقوم على أساس طبقي.

ب – الاتجاه الثاني :

يتبناه الأدب السياسي البرجوازي ويركز هذا الاتجاه على المبادئ ودرجة التزام الوضوح والتحديد في صياغتها،

وإذا انتقلنا إلى مفهوم الحزب السياسي لدى المفكرين والباحثين نجد أن دزرائلي يرى أن الحزب السياسي "مجموعة من الأفراد يجمعهم الإيمان والالتزام بفكر معين"

غير أن هذا الاتجاه يغفل حقيقة إمكانية وجود حزبين أو أكثر يتقاسمان نفس المبادئ والأهداف داخل الدولة نفسها.

أما هارولد لاسويل "فيرى أن الحزب" تنظيم يقدم مرشحين باسمه في الانتخابات"

وقريباً من هذا التعريف نرى شلزنجر يحدد مفهوم الحزب في مظهر واحد من مظاهره وهو هدف الوصول للسلطة ويعتبره تنظيماً يسعى للوصول إلى السلطة في الأنظمة الديمقراطية وكأن هذا التعريف يستبعد من معنى الحزبية كل الأحزاب التي لاتوجد في الدول الديموقراطية، لذلك نجد جيمس كولمان يوسع من دائرة مفهومه للحزب السياسي لتنطبق على كل الأنظمة السياسية إن الحزب " له صفة التنظيم الرسمي هدفه الصريح والمعلن هو الوصول إلى الحكم إما منفرداً أو مؤتلفاً مع أحزاب أخرى"

ولا يبتعد جوزيف لا بالومبارا في تعريف للحزب السياسي عن التعريفات السابقة مع بعض الإضافات فالحزب في نظره " تنظيم رسمي هدفه وضع وتنفيذ السياسات العامة "

وهناك من يرى أن الحزب بمثابة " تنظيم سياسي له صفة العمومية والدوام وله برنامج يسعى بمقتضاه الوصول إلى السلطة، وأن د/سمير عبد الرحمن الشمري في مفهومه للحزب استطاع الجمع بين العديد من خصائص الحزب السياسي وبالتالي اقترب من التوفيق بين التعاريف السابقة، فالحزب كما عرفه هو: " جماعة اجتماعية تطوعية واعية ومنظمه ومتميزة من حيث الوعي السياسي والسلوك الاجتماعي المنظم ومن حيث الطموحات والآمال المستقبلية ولها غايات قريبة وبعيدة تهدف هذه الجماعة إلى الاستيلاء على السلطة (إذا كانت في المعارضة وإلى تغير سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وحياتي يتساوق مع قناعتها واتجاهاتها)

والحزب يمثل شريحة اجتماعية في المجتمع أو كتل اجتماعية متناغمة ويدافع عن مصالح الكتل الاجتماعية التي يمثلها ويجاهد من أجل انتصار أهدافه وغاياته التي يصبو إليها وكل حزب من الأحزاب السياسية له مبادئ تنظيمية وفكرية واجتماعية وله قوانينه الداخلية يحتكم إليها (النظام الداخلي) وله برنامج محدد يبسط فيه هويته الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية"

تلك أهم التعاريف التي قدمها الباحثون والمفكرون في محاولة منهم لضبط مفهوم الحزب السياسي وتحديد مدلوله الإجرائي وقد لاحظنا مدى التمايز بل والتناقض أحياناً بينها إلا أن ذلك لا يمنعنا من محاولة رصد بعض القواسم المشتركة بين تلك المفاهيم إن وجدت :

أ‌-  ضرورة توفر رؤية سياسية موحدة أي وجود ايدولوجيا مشتركة تترجم عادة في برنامج الحزب السياسي الذي يعرض على المواطنين لاختياره عبر الانتخابات،

ب‌- وجود تنظيم يتمتع بالعمومية والاستمرار على أن يمتد التنظيم إلى المستوى المحلي مع وجود اتصالات منظمة داخلية وبين الوحدات المحلية والقومية

ج- اهتمام الحزب السياسي بالتأييد الشعبي واستقطاب الأنصار سيما في أوقات الحملات الانتخابية والتصويت والتظاهرات الهامة.

د- السعي الحثيث للوصول للسلطة أو المشاركة فيها عبر إقامة التحالفات في محاولة التأثير على قرارات وأولويات السلطة الحاكمة من خلال وجود الحزب في صف المعارضة. وبعد أن اقتربنا من رسم بعض الملامح العامة لمفهوم الحزب السياسي فإننا نجد من الضروري إلقاء نظرة سريعة على ظروف ونشأة هذه الظاهرة السياسية التي يتزايد حضورها السياسي ومحوريتها في الأنظمة السياسية يوماً بعد يوم فبالرغم أن كلمة (أحزاب) قديمة وطالما أطلقت على الزمر التي كانت تحيط بالقادة في إيطاليا إبان عصر النهضة إضافة إلى استخدامها للدلالة على النوادي واللجان الانتخابية والتنظيمات الشعبية والكتل البرلمانية والتجمعات الطائفية أو المذهبية أو الإقليمية وغير ذلك.

إلا أن أغلب المختصين وعلى رأسهم العالم الفرنسي موريس دوفرجيه يؤكدون أن المعنى الصحيح للحزب السياسي كما نعرفه اليوم لا يعود لأكثر من حوالي قرن ونصف من الزمن أي حتى عام/1850/ ولم يكن هناك وجود لأحزاب سياسية في أي بلد من العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، أما العام/1950/ فقد شهد بداية تسرب هذه الظاهرة إلى الشعوب والأمم الأخرى واليوم توجد الأحزاب وتنتشر في كل مكان من العالم. ولكن ما هي الأسباب الحقيقية وراء نشوء هذه الظاهرة.

 يشير موريس دوفرجيه إلى أن نمو الأحزاب السياسية ارتبط تاريخياً بنمو الديموقراطية واتساع مفهوم الاقتراع العام الشعبي ليشمل كافة الطبقات وإلغاء القيود المالية التي ارتبطت به في السابق وهناك أصلين أساسين لنشوء الأحزاب السياسية.

أ‌-   الأصل الانتخابي البرلماني ( أحزاب داخلية النشأة ) نشأت من خلال الاتصال بين الكتل البرلمانية واللجان الانتخابية وقد أدى استمرار هذا الاتصال والتفاعل إلى ظهور الأحزاب السياسية.

ب‌-     الأصل غير الانتخابي أو البرلماني ( أحزاب خارجية النشأة ).

ظهور هذا النوع من الأحزاب ارتبط بقيام مجموعة من الجمعيات والنقابات والاتحادات التي قامت بتأسيسها.

وتختلف الأحزاب من حيث طبيعتها العضوية ونستطيع هنا التمييز بين نوعين :

-أحزاب الكوادر أو الصفوة: تضم في الغالب أبناء الطبقة البرجوازية ولا تبدي اهتماماً بالجماهير لأنها تهتم بفئة قليلة معينة وتعتمد أحزاب النخبة على الثروة والمكانة الاجتماعية المرموقة لأعضائها وتتسم بنوع من الهشاشة الداخلية والتزام الأعضاء بمبادئها وترى هذه النخب أنها تمتلك من الخبرة والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية ما يمكنها من كسب الأصوات وإيصال المرشحين إلى كراسي الحكم.

-أحزاب الجماهير: تستقطب الجماهير لتحقيق غايات سياسية واجتماعية ومالية بغية تثقيف الجماهير وتوعيتها سياسياً وإعداد نخبة منها لتولي المناصب السياسية والإدارية في الحزب والدولة إضافة إلى المورد المالي الذي يحصل عليه الحزب من تسديد اشتراكات المنتسبين ويندرج في هذا الإطار الأحزاب الشيوعية والقومية والدينية.

- وفيما يتعلق بأنماط النظم الحزبية شاع في أدبيات السياسة تمييز بين نظام الحزب الواحد ونظام الحزبين ونظام تعدد الأحزاب.

ولما كان هذا التصنيف يعتد بعدد الأحزاب ويتجاهل بالتالي الاختلافات على صعيد كل نظام حزبي من حيث النشأة والأساس الاجتماعي والفكري ومدى تناوب أكثر من حزب على السلطة طرح لفيف من علماء السياسة معيار التنافس الحزبي للتفرقة بين نظم حزبية تنافسية ونظم حزبية غير تنافسية الأولى يميزها تنافس أكثر من حزب على السلطة ويدخل فيها نظام الحزبين ونظام  تعدد الأحزاب وفي الثانية يحتكر السلطة حزب سياسي معين ويقع تحت مظلتها نظام الحزب الواحد في الدول الشيوعية ونظام الحزب الواحد في بلدان العالم الثالث ونظام الحزب المسيطر ( تعدد الأحزاب مع احتكار أحدها للسلطة في فترة طويلة من الزمن)

ونظام الحزب القائد وهو (وجود تحالف حزبي تكون القيادة فيه لحزب معين )

أما مكونات الحزب السياسي فبين موريس د فرجيه أنه بالرغم من أن لكل حزب تركيبته الخاصة التي لا تشبه في شيء تركيب الأحزاب الأخرى.

إلا أنه يوجد عناصر تمثل أهم مكونات الأحزاب السياسية:  اللجنة ’ الشعبة  ’ الخلية

ويمكن أن نضيف إلى مكونات الحزب السياسي ما يلي :

-         اسم وشعار خاص للحزب يميزه عن بقية الأحزاب.

-         عنوان رئيسي ومقرات فرعية.

-          مجموعة من الأهداف يسعى الحزب لتحقيقها.

-         قائمة بشروط الانتساب للحزب.

-         مالية عامة للحزب وإجراءات صرفها.

No comments:

Post a Comment